لكن التأثير في حركة التجارة يختلف عن التحكم في الاقتصاد العالمي. يستطيع الحوثيون رفع مخاطر العبور، لكنهم لا يملكون تحديد استجابة الأسواق، أو قرارات التدخل الخارجي، أو خيارات إيران. ولذلك لا يتمحور السؤال الأساسي حول الطرف الذي أصبح مالكا للبحر، بل حول كيفية تحويل التهديد البحري إلى تنازلات سياسية، واللحظة التي تتجاوز فيها تكاليف هذا التهديد مكاسبه المحتملة.
مضيق باب المندب: قدرة التعطيل تتجاوز السيطرة البرية
يربط هذا الممر البحر الأحمر بخليج عدن، ومنه بالمحيط الهندي، ويشكل جزءا من الطريق التجاري بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. وتمنح هذه الجغرافيا الطرف القادر على تهديد السفن تأثيرا يتجاوز حجمه الاقتصادي. وبالنسبة إلى الحوثيين، قد يؤدي الدخول في هذه المعادلة إلى نقل موقعهم من قوة مرتبطة بالصراع الداخلي اليمني إلى طرف يؤثر في الأمن الدولي. غير أن هذا التأثير لا يمنحهم تلقائيا اعترافا دبلوماسيا، ولا يعني قبول المجتمع الدولي بشرعية أدوات الضغط المستخدمة.
وفي تقييمها الصادر يوم ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦، أبقت هيئة الملاحة البحرية النرويجية مضيق باب المندب ضمن أعلى مستوى أمني مطبق لحماية السفن والمرافق المينائية. وفي الوقت نفسه، أشارت إلى أن نمط الهجمات يعكس انخفاض خطر الاستهداف العشوائي للملاحة التجارية الدولية مقارنة بتقييماتها السابقة. والجمع بين النقطتين ضروري لفهم الوضع: يمكن أن يبقى التهديد مرتفعا دون تعرض جميع السفن لهجمات متواصلة، كما أن التشدد الأمني لا يمثل وحده دليلا على إغلاق الممر بالكامل.
وقد تعمل ورقة الضغط الحوثية داخل هذه المنطقة الوسطى. فإذا اعتبرت الشركات احتمال الهجوم جديا، وجب عليها تقييم التأمين والحماية ومواعيد التحرك والمسارات، حتى في الأيام الخالية من العنف. ومع ذلك، تظل التطورات على الساحل والجزر المحيطة مؤثرة. فالتقارير المتعلقة بتبدل المواقع تفرض التحقق المستمر من ادعاءات السيطرة الشاملة والدائمة. والقدرة على تهديد طريق ملاحي لا تساوي ممارسة سلطة مستقرة على جميع الأراضي المحيطة به، وإن كان التقدم البري قد يعزز فرص المراقبة والإمداد.
هرمز ومضيق باب المندب: تكامل الضغط على واشنطن وحلفائها
لا يؤدي هرمز وهذا الممر الوظيفة نفسها. فالأول يمثل المنفذ البحري للخليج، بينما يتصل البحر الأحمر شمالا بقناة السويس أيضا. ولذلك لا يجوز مساواة انعدام الأمن في أحدهما بإغلاق الآخر. وتكمن العلاقة في تضييق البدائل الأقل كلفة: عندما يصبح طريق غير آمن، ترتفع قيمة الطريق البديل. وإذا تعرض البديل بدوره للتهديد، زادت كلفة تغيير المسارات، وصار الحفاظ على انتظام التجارة أكثر صعوبة بالنسبة إلى الشركات والدول المعتمدة عليها.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن يوفر مضيق باب المندب لإيران ورقة ضغط مكملة. ففي حال تصاعد المواجهة، ستحتاج واشنطن إلى احتساب حماية قواتها ومصالحها، إلى جانب الاضطراب التجاري ومخاوف حلفائها. وقد تتحمل إسرائيل والحكومات العربية المرتبطة بهذه الطرق أشكالا مختلفة من الضرر. لكن اختلاف المصالح يعني أن الردود لن تتطابق بالضرورة؛ فقد يفضل بعض الأطراف تعزيز الحماية أو العمل العسكري، بينما يعطي آخرون الأولوية للتفاوض والوساطة وإبعاد أراضيهم عن استخدامات الصراع.
ولا تختصر قيمة هذه المكانة بالنسبة إلى الحوثيين في دعم طهران. فللجماعة أهداف داخلية وأمنية وسياسية خاصة بها، وقد تستخدم الضغط البحري لتحسين موقعها في المفاوضات المتعلقة باليمن. ولا يثبت الدعم الإيراني والتقارب الاستراتيجي أن كل قرار عملياتي يصدر بأمر مباشر من طهران. لذلك ينبغي التمييز بين المصالح المشتركة، والتنسيق المحتمل، وسلطة القيادة. وإهمال هذه الفروق يحول شبكة علاقات معقدة إلى تصور مبسط يفترض تطابق أولويات أطراف قد تتقاطع حساباتها دون أن تتطابق بالكامل.
وعليه، يمكن فهم المكسب الإيراني باعتباره زيادة كلفة الضغط على طهران، وليس ضمان امتلاك القدرة على تحديد نتيجة الحرب. وحتى إذا اضطرت الولايات المتحدة إلى توزيع اهتمامها ومواردها، فإنها تحتفظ بأدوات عسكرية ودبلوماسية واقتصادية. كما أن الإضرار بتجارة الدول المحايدة قد يضعف تفهمها للموقف الإيراني. وقد تتحول ميزة تفاوضية أولية إلى كلفة سياسية عندما ترى الحكومات أن مصالحها تتعرض للضغط دون ارتباط واضح بسلوكها أو بمشاركتها الفعلية في المواجهة.
مضيق باب المندب وحدود تحويل الخطر إلى مكاسب
يركز تحليل مؤسسة ACLED للتطورات الأخيرة على الإكراه الانتقائي واستمرار التهديد، بدلا من افتراض ضرورة التعطيل الأقصى والمتواصل. ويساعد ذلك في تفسير حساب حوثي محتمل: تضييق نطاق الاستهداف قد يحافظ على الضغط ضد خصم معين، ويقلل في الوقت نفسه احتمالات رد دولي أوسع. لكن تحديد الارتباطات التجارية معقد، لأن المالك والعلم والإدارة والحمولة قد تتصل بجهات مختلفة. ويمكن للخطأ، أو التوسع في تعريف الصلة بالخصم، إدخال دول وشركات إضافية في الأزمة.
وتنتقل الآثار الاقتصادية عبر ارتفاع التأمين والحماية، وزيادة مدة الرحلات، واستهلاك الوقود، وتأخر تسليم البضائع. غير أن شدتها تعتمد على مدة الاضطراب، وعدد السفن المتأثرة، وطاقة الطرق البديلة. ولا يعني كل تهديد جديد ارتفاعا حتميا لأسعار النفط أو شللا لسلاسل الإمداد. فالشركات والحكومات تستطيع تعديل الجداول، وزيادة المخزونات، وتنويع ترتيبات النقل. وهذه الاستجابات لا تلغي الضرر، لكنها قد تقلص قدرة التهديد على إنتاج ضغط مستدام، خصوصا إذا نجحت الأطراف المتضررة في توزيع التكاليف والتكيف معها.
وتبرز هنا أهمية الفصل بين تعطيل التجارة وانتزاع تنازل سياسي. فقد تدفع الخسائر بعض الحكومات إلى التهدئة، لكنها قد تدفع حكومات أخرى إلى توسيع الحماية والتعاون ضد مصدر التهديد. ولا توجد علاقة آلية بين ارتفاع الكلفة وقبول مطالب الجهة التي تفرضها. ولهذا يحتاج تقييم النجاح إلى متابعة مواقف الدول ونتائج التفاوض، وليس الاكتفاء بحركة الأسعار أو صور السفن التي تغير مسارها، مهما بدت تلك المؤشرات لافتة.
ويرتبط مستقبل مضيق باب المندب بقدرة الأطراف على تحويل التهديد إلى اتفاق، أو انزلاقها إلى دورة من الهجوم والرد. ويمكن للحوثيين وإيران استثمار هشاشة الملاحة لزيادة ثقلهما السياسي، لكن الكلفة الإنسانية في اليمن، وخسائر التجارة الإقليمية، وردود القوى الخارجية، تفرض حدودا. فالورقة الأساسية ليست امتلاك نبض الاقتصاد العالمي، بل رفع كلفة تجاهل مصالحهما. واستمرار هذه الورقة يعتمد على النتائج السياسية التي تحققها، وليس على شدة التهديد وحدها، أو على عدد المرات التي يعاد فيها الإعلان عنه.
