وبالنسبة إلى أبوظبي، لا تعني معارضة جولة جديدة من المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل قبول سياسات طهران. فالقلق من قدرات الجار العسكرية يمكن أن يتزامن مع الخشية من تبعات مهاجمته. ويقع الموقف الإماراتي بين الردع ومنع الحرب. وتفسره خمسة اعتبارات: هشاشة البنية التحتية أمام الاضطراب، وطبيعة الاقتصاد الخدمي، ومخاطر التجارة، واختلاف أولويات الشركاء، وصعوبة إنهاء الأزمة بعد بدء العمليات العسكرية، حتى عندما يعلن منفذوها أن أهدافهم محدودة.
أمن الخليج الفارسي واقتصاد يحتاج إلى القدرة على التوقع
يتمثل الاعتبار الأول في الفرق بين القدرة الدفاعية والحصانة الكاملة. فلا ينبغي مساواة الجاهزية العسكرية بإلغاء جميع الأخطار. وحتى إذا جرى اعتراض معظم التهديدات، فإن احتمال اضطراب مطار أو ميناء أو منشأة طاقة أو شبكة خدمات عامة قد يؤثر في قرارات الحكومة والشركات. ولذلك لا تقاس قيمة الدفاع بأعداد التهديدات التي أحبطت وحدها. فكلفة الجاهزية المستمرة، واستمرار الخدمات، وثقة السكان والمستثمرين، عناصر مهمة عند تقييم نتائج أي مواجهة إضافية والقدرة على تحمل آثارها.
أما الاعتبار الثاني في أمن الخليج الفارسي فيتصل باعتماد الاقتصاد الإماراتي على تدفق منتظم للمسافرين والاستثمارات والسلع والخدمات. وبالنسبة إلى اقتصاد ترتبط سمعته بالاتصال بالعالم، قد ينتج عدم اليقين تكاليف قبل وقوع أضرار مادية. فقد تؤجل الشركات توسعها، ويختار المسافرون طرقا أخرى، ويطلب المستثمرون عوائد أعلى مقابل قبول المخاطر. وهذه نتائج محتملة للتصعيد، وليست ادعاء بأن كل هذه التغيرات تحدث بالفعل، أو أن تأثيرها سيكون متساويا في جميع القطاعات الاقتصادية.
ويتعلق الاعتبار الثالث بالتجارة البحرية. فالقلق بشأن هرمز لا يقتصر على صادرات النفط، بل يشمل الإمدادات ومواعيد التسليم والتأمين وتنظيم النقل. وحتى دون إغلاق كامل، يمكن لتغير تقييم المخاطر أن يرفع كلفة النشاط الاقتصادي. لذلك لا تعوض زيادة أسعار الطاقة بالضرورة جميع خسائر الدولة المصدرة. وينبغي تقييم الإيرادات الإضافية لكل وحدة إلى جانب حجم المبيعات وتكاليف التجارة وخسائر القطاعات الأخرى. فارتفاع السعر وحده لا يقدم صورة مكتملة عن الربح الاقتصادي على مستوى الدولة أو المجتمع.
أمن الخليج الفارسي؛ لماذا لا تتطابق أولويات الحلفاء دائما؟
يتمثل السبب الرابع في اختلاف أولويات الأطراف. فقد تتشارك الولايات المتحدة وإسرائيل والحكومات العربية مخاوف من بعض السلوك الإيراني، لكن قربها من ساحة الصراع وبنيتها الاقتصادية وتصوراتها للنتيجة المطلوبة ليست واحدة. وقد تتحول عملية يعدها طرف محدودة إلى بداية استنفار طويل لدى جار لإيران. ولذلك لا يصح تفسير التعاون الأمني مع واشنطن باعتباره موافقة تلقائية على كل قرار عسكري أمريكي أو إسرائيلي. فالشراكة لا تلغي الاختلاف بشأن الكلفة المقبولة ولا بشأن شروط إنهاء المواجهة.
ومن هذه الزاوية، لا يضع أمن الخليج الفارسي الإمارات أمام اختيار بسيط بين إيران وأمريكا. إذ تستطيع أبوظبي الحفاظ على علاقاتها الدفاعية الخارجية، بالتزامن مع السعي إلى تقليل التوتر مع طهران. وإذا اقترن ذلك بالتزامات واضحة وقابلة للمتابعة، فقد يعكس تنوع أدوات السياسة الخارجية. لكن تفسير أي طرف لهذا المسار بوصفه دعما خفيا لخصمه قد يزيد سوء الفهم. ويتوقف نجاح الموازنة على سلوك يمكن الوثوق به، وليس على التصريحات المطمئنة وحدها أو على افتراض حسن النيات.
كما لا يجوز اعتبار تصريحات مسؤول إماراتي موقفا مطابقا تلقائيا لمواقف جميع الحكومات العربية. فدول المنطقة تختلف في علاقاتها بإيران، وتجربتها مع التهديد، وقدراتها الدفاعية، واعتمادها الاقتصادي. وفي منتدى المنامة نفسه، تحدثت البحرين عن إطار أمني إقليمي يمكن أن يكون مفتوحا لإيران إذا احترمت مبادئ محددة. وهذه إشارة إلى مسار سياسي مقترح، وليست دليلا على وجود اتفاق إقليمي مكتمل أو على تسوية الخلافات القائمة بشأن السيادة والملاحة واستخدام القوة.
وتحمل هذه المعادلة رسالة مزدوجة إلى طهران. فخوف الجيران من الحرب قد يوفر فرصة للحوار، لكنه لا يعني قبول الضغط عليهم. وإذا اتسعت التهديدات للبنية التحتية أو التجارة، فقد تتجه حكومات تفضل الوساطة إلى تعزيز التعاون الدفاعي مع قوى خارجية. ولهذا لا تتحول القدرة على فرض التكاليف دائما إلى نفوذ سياسي أكبر. وقد تؤدي طريقة استخدامها إلى نتيجة معاكسة، خصوصا إذا خلصت الدول المجاورة إلى أن ضبط النفس لم يعد كافيا لحماية مصالحها.
أمن الخليج الفارسي بعد الهجوم؛ معضلة إنهاء الأزمة
أما الاعتبار الخامس فهو المسافة بين بدء العمليات وإنهاء آثارها. فقد حذر قرقاش من أن الحلول العسكرية لا تضمن خروجا سريعا من الوضع المعقد القائم. ويمكن تحويل هذا التقييم إلى سؤال عملي: حتى إذا بلغ الهجوم أهدافه المعلنة، فما الآلية التي تمنع الرد المتبادل واتساع المواجهة وجولة العمليات التالية؟ فالقدرة على تدمير هدف لا توفر بالضرورة خطة لإدارة اليوم اللاحق. والنجاح التكتيكي يختلف عن إنتاج نتيجة سياسية قابلة للاستمرار أو مقبولة لدى الأطراف المتأثرة بها.
ويمكن أن يكون الاستعداد للأسوأ ودعم الدبلوماسية متكاملين. فالدفاع يرفع كلفة الهجوم، بينما يمكن للتواصل أن يقلل احتمال الوصول إلى تلك النقطة. غير أن الدعوة إلى التفاوض وحدها لا تكفي؛ إذ يكتسب الحد من سوء الفهم، والحفاظ على الاتصال في أوقات الأزمات، وتوضيح الالتزامات المتبادلة أهمية كبيرة. وينبغي أن تعالج أي ترتيبات المخاوف المتعلقة بالهجمات والدعم العملياتي وتهديد التجارة، دون التعامل مع حقوق الدول الأصغر بوصفها مادة للمساومة في مفاوضات القوى الكبرى.
ويتوقف مستقبل أمن الخليج الفارسي على ما إذا كانت الأطراف ترى في الردع أساسا للاتفاق أم بديلا دائما عنه. فموقف الإمارات لا يعني التخلي عن القلق من إيران، بل يعترف بأن حربا جديدة قد تعيد إنتاج هذه المخاوف في صورة أكثر كلفة. ولا ينبغي الحكم على السياسة الإقليمية بالأضرار التي جرى تجنبها في يوم بعينه فقط، بل بقدرتها على تهيئة ظروف لا تهتز فيها التجارة وحياة الناس والعلاقات بين الدول كلما لاح احتمال هجوم جديد.
