وبدلا من ذلك، ينبغي التمييز بين الأهداف المشتركة والتفضيلات التنفيذية. فقد تتفق الحكومتان على تقييد قدرة إيران على تهديدهما، بينما تختلفان في تقدير الكلفة المقبولة، ومدة الضغط، والتنازلات المحتملة. ولذلك، تتجاوز المسألة الاختيار بين الهجوم والمفاوضات. وهناك أربع عقد رئيسية: التوقيت، وتعريف الاتفاق المقبول، وتوزيع التكاليف، ومعيار إنهاء العمليات العسكرية. ومن خلال هذه العناصر يمكن تقييم حدود التوافق، دون افتراض وحدة كاملة أو خلاف محسوم قبل ظهور القرارات الفعلية.
ترامب ونتنياهو؛ خلاف على التوقيت أم على الاستراتيجية؟
العقدة الأولى هي التوقيت. فبحسب عرض وكالة الأناضول للرواية المستندة إلى مصادر أمريكية وإسرائيلية، فضل نتنياهو تحركا مبكرا بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، بينما أراد ترامب منح الدبلوماسية وقتا إضافيا. ومع ذلك، تظل هذه رواية إعلامية عن مصادر مطلعة، وليست اتفاقا رسميا أو أمرا عملياتيا. وهي تشير إلى نقاش محتمل حول المدة المتاحة للتفاوض، دون أن تثبت تخلي أي من الحكومتين عن التعاون العسكري أو إغلاق خياراتها الأخرى.
كذلك، قد يحمل التأخير معاني مختلفة في حسابات ترامب ونتنياهو. فبالنسبة إلى واشنطن، يتيح الوقت الإضافي اختبار المقترحات، والتشاور مع الشركاء الإقليميين، وتقييم الآثار الاقتصادية. في المقابل، قد يخشى صناع القرار الإسرائيليون أن يؤدي تمديد المحادثات إلى تخفيف الضغط أو إتاحة تعافي قدرات إيران. وهذه منطقيا تفسيرات محتملة للقرار، وليست مواقف مثبتة لجميع المسؤولين في الحكومتين. ومن ثم، لا يجوز التعامل مع كل اختلاف في السرعة باعتباره اختلافا نهائيا في الوجهة.
وتؤثر السياسة الداخلية أيضا في الجدول الزمني، لكنها لا تفسر القرار العسكري بالكامل. فالانتخابات والرأي العام والتنافس حول مسؤولية نتائج الحرب قد تغير كلفة التحرك أو الانتظار. ومع ذلك، لا يعني تجاوز موعد انتخابي صدور إذن تلقائي بالهجوم. إذ تبقى الجاهزية العملياتية، والمعلومات الجديدة، وسلوك طهران، وجهود الوساطة، عوامل مؤثرة. ولهذا، يجب الفصل بين ارتفاع احتمال التحرك وبين اتخاذ القرار بالفعل، بدلا من تحويل التاريخ الانتخابي إلى موعد عسكري مؤكد.
كما أن المواعيد قد تستخدم أدوات ضغط. فقد تريد حكومة إقناع خصمها بأن الوقت ينفد، دون أن تكون قد حسمت المسار العسكري. وعلى العكس، قد تقرأ الاستعدادات الرامية إلى إبقاء الخيارات مفتوحة باعتبارها دليلا على أن المفاوضات مجرد غطاء. ولذلك تظل الفروق بين القدرة والنية والتفويض أساسية لفهم التطورات، خصوصا عندما تعتمد التغطية على مصادر مجهلة أو رسائل سياسية صيغت للتأثير في حسابات الطرف الآخر.
ترامب ونتنياهو؛ هل يرضيهما الاتفاق نفسه؟
العقدة الثانية هي تعريف الاتفاق المقبول. فقد ترى واشنطن أن ترتيبا مرحليا يساعد على خفض الخطر الفوري، قبل معالجة خلافات أخرى. بينما قد تبقى إسرائيل أكثر قلقا من استمرار قدرات إيرانية بعد ذلك الترتيب. لكن هذا الاحتمال لا يثبت وجود عرض نهائي، أو رفض إسرائيلي لكل نتيجة دبلوماسية. بل يتعلق السؤال بنوع الالتزامات، وآليات التحقق، وضمانات التنفيذ، التي يمكن أن تستجيب لمخاوف الحكومتين وتحدد ما يحدث إذا أخل طرف بتعهداته.
وفي علاقة ترامب ونتنياهو، قد يمثل احتواء التهديد وإزالة القدرة على إنتاجه مستويين مختلفين للنجاح. فاتفاق يقلل الخطر الحالي لا يحل بالضرورة كل النزاعات الطويلة. في المقابل، قد تجعل المطالبة بتسوية جميع الملفات دفعة واحدة الاتفاق الأولي أكثر صعوبة. وعليه، لا ينحصر الخلاف المحتمل في شدة الضغط، بل يشمل ترتيب معالجة الموضوعات وإمكان استعادته عند عدم الامتثال. وتصبح التفاصيل هنا أكثر أهمية من الاكتفاء بوصف أحد الطرفين بالمرونة والآخر بالتشدد.
أما العقدة الثالثة فهي توزيع التكاليف. فعلى الولايات المتحدة تقييم حماية قواتها، وأمن الملاحة، وعلاقاتها بالشركاء العرب، والتداعيات الاقتصادية، إلى جانب أهداف العمليات. وفي المقابل، تواجه إسرائيل احتمال الرد المباشر والضغط على سكانها وبنيتها التحتية. ولأن هذه الأعباء تختلف ولا تنتقل ببساطة بين الشريكين، فإن التعاون العسكري الوثيق لا يضمن تطابق تقدير الفائدة والمخاطر في كل مرحلة. ولذلك قد يستمر التنسيق، بالتزامن مع تفاوض صعب حول حجم العملية وحدود المشاركة.
وفضلا عن ذلك، ليست الحكومات الإقليمية مجرد متفرج. ولذلك فإن استبعاد مصالحها من الحساب قد يزيد صعوبة تنفيذ الخيارات، حتى عندما يتفق الطرفان على أهدافهما الأساسية. فتحذير الإمارات من أن الحلول العسكرية قد تعقد الأزمة يبرز تعرض جيران إيران لعمليات لم يختاروا بدءها. ومن ثم، تحتاج واشنطن إلى مراعاة شركاء يريدون الحماية من التهديدات ويعارضون في الوقت نفسه حربا أخرى. ولا يضعف هذا الضغط بالضرورة التحالف الأمريكي الإسرائيلي، لكنه قد يؤثر في توقيت التحرك ونطاقه. كما قد يحدد مستوى الدعم السياسي والعملي الذي يمكن حشده لأي اتفاق لاحق.
نهاية العمليات وكيفية قراءة الإشارات
العقدة الرابعة هي نقطة النهاية. فبالنسبة إلى ترامب ونتنياهو، قد لا ينتج تحقيق هدف عسكري إجابة واحدة بشأن الخطوة التالية. وإذا ردت إيران، فهل يعد هجوم آخر ضروريا؟ ومتى تصبح مواصلة العمليات أعلى كلفة من وقفها؟ ومن دون إجابات واضحة، قد تتحول عملية توصف بالمحدودة إلى دورة من الهجمات والردود تتجاوز حدودها الأصلية. ولهذا ينبغي تقييم خطة إنهاء التصعيد إلى جانب القدرة على بدء العملية، لا بعد ظهور نتائجها فقط.
وبالنسبة إلى طهران، تحمل القراءة المتسرعة لخلاف الحليفين مخاطر أيضا. فالاختلاف بشأن التوقيت لا يلغي الخيار العسكري، كما أن إظهار التنسيق لا يثبت حتمية الهجوم. وبدلا من ذلك، يلزم تقييم السلوك الملحوظ والمواقف الرسمية والوساطة معا. فقد يشجع افتراض الانقسام العميق سوء التقدير، بينما يضيق اعتبار الحرب حتمية فرص الدبلوماسية. وبالتالي، لا تكفي نبرة اتصال أو تسريبات عن نقاش صعب لبناء تقدير شامل للقرار المقبل أو لحدود التعاون.
وفي النهاية، يعتمد تعاون ترامب ونتنياهو على معالجة هذه العقد الأربع أكثر من اعتماده على وصف أجواء اتصال. فقد يحتفظان بأهداف مشتركة ويتفاوضان حول الأدوات، كما قد تغير المحادثات أو تصرفات إيران تقديراتهما. ولذلك تبقى المؤشرات العملية هي القرارات اللاحقة: منح الدبلوماسية فرصة حقيقية، وتحديد نطاق العمليات، وتوضيح شروط إنهاء الأزمة. وحتى ذلك الحين، لا تفسر صورة الوحدة المطلقة الواقع بدقة، ولا تصلح رواية الانفصال النهائي بديلا عنها دون أدلة يمكن التحقق منها.
